سميح عاطف الزين

144

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

النسأة « 1 » أحد بني فقيم من كنانة ، إذ استبدّ به الطيش فذهب وأحدث في القليس ، ولوّث أبوابها ومداخلها . وعلم أبرهة بالأمر ، فثارت ثائرته ، وغلى الدم في عروقه ، وحلف ليسيرنّ إلى كعبة العرب في مكة ويهدمها ، فلا يبقى لها أثر ، وتنساها العرب وغيرهم . . فجهّز جيشا لجبا ، وركب في مقدمته على فيل كبير ، وسار في زحفه الحثيث ، فتناهت أخباره إلى العرب ، فخافوا على مصيرهم ، ومصير بيتهم ، مما جعل بعضهم يهبّ لملاقاته وحربه . وكان أول من استنفر قومه ومن استجاب له من العرب ، أحد أشراف اليمن واسمه ذو نفر ، ولكنّ مقاومته لم تجد نفعا ، إذ سرعان ما غلبه أبرهة على أمره ، وأخذه أسيرا . . فقام له نفيل بن حبيب الخثعمي ، سيد قبيلي خثعم : شهران وناهس ، وتبعه بعض القبائل فهزمهم ، وأخذ نفيل بن حبيب أسيرا وجعله دليلا له في أرض العرب . حتى إذا بلغ الطائف وأراد هدم صنمها اللات ، وهو يحسبه الكعبة ، خرجوا إليه في سيدهم مسعود بن ثقيف يقدمون له الفدية ، ويقولون له بأن بيتهم ليس هو البيت الذي يقصد بمكة ، وأنهم يبعثون معه من يدلّه عليه . . وأخيرا اقتنع أبرهة فخرج ومعه أبو رغال من الطائف دليلا له ، حتى إذا بلغ به مكانا يدعى المغمّس قريبا من مكة نزل فيه ، وهنالك مات أبو رغال ، فرجمت قبره العرب « 2 » .

--> ( 1 ) النسأة هم الذين كانوا ينسئون الشهور على العرب في الجاهلية ، وكان آخرهم أبو تمامة جنادة بن عوف يحل الأشهر الحرم : رجبا وذا القعدة ، وذا الحجة والمحرّم ، مكان الأشهر الحلّ . وفيها نزل قول اللّه تعالى « إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ » . ( 2 ) السيرة النبوية لابن هشام ، المصدر السابق ، ص 49 .